إلهام “الفكر” والفلسفة الإسلامية
عرّف المناطقة “الفكر” بأنه: “إجراء عملية عقلية في المعلومات الحاضرة للكشف عن المطلوب،“ ومِن المُلفت محاكاة الوجود الذهني للحركة الفلسفية تاريخيًا، وذلك من جهة عدم ظهور منظومة فلسفية متأخرة دون استلهام وانتزاع الأفكار من منظومة تقدّمت عليها زمانًا، لذلك لا يمكن النظر التام للمدارس اللاحقة دون الالتفات للسابقة- بقدر الإمكان. و عليه تقتضي الزيادة المعرفية بالسابق زيادة في اللاحق، إما إبداعًا من جهة المُدرِك- كأن تنشأ منظومة فلسفية جديدة على يديه- أو في نفس إدراكه للمدارس المعاصرة- من جهة توسع دائرة الإحاطة في وعي أدلّتها و مصطلحاتها.
من الحلقات المفقودة حضورًا في الأوساط الفلسفية الحالية، هي حلقة “الفلسفة الإسلامية،“ ومظهر الفقد قد يتمثل بإقصائها جذرًا من الوسط الفلسفي المعاصر، أو بتقويض أركانها عند الرغبة في طرحها، بإيهام المتلقي أنها أعلنت موتها بعد انتهاء حقبة معينة، كالرُّشدية، أو جرّاء هجمات المُتكلِّمين فلم تُبعث من جديد؛ إلا أن كِلا الفكرتين ترجع إلى تقصير في الإطّلاع على الفلسفة الإسلامية، وقصور في الاستلهام من “الفكر“ مفهومًا.
إشكالية “الفلسفة الإسلامية“:
ما يحتم الموت لفلسفة دون أخرى، إما انعدام أساسها البرهاني أو توقف عجلة حركة انتزاع الحلول من الأصول المُثبتة، المفضي إلى انعدام روح الإبداع، وهو أمر طبيعي إذا نُظر من جهة محاكاة هذه العملية للـ”الفكر“ مفهومًا، فإن انعدام معلوم ما في الذهن، من شأنه عدم إدراك المطلوب المتعلق بذلك المعلوم فموته، المطلوب، وانعدام شُعلة الحركة المنتقلة من المعلوم إلى المجهول، المطلوب، من شأنه عدم حصول المطلوب. فإذا فُقِد الربط، فُقِد الحل. و الإشكالية على الفكر الإسلامي متعلقة بالجهتين، أما الجهة الأولى فتتمثل بتناقض عنوان “الفلسفة الإسلامية“ من جهة الجمع بين منهجين مختلفين في مصدر الإلزام وطريقه، والجهة الثانية، المشهورة بين الأوساط، تتمثل برفض بعض المفكِّرين في أن تكون هناك تجربة فلسفية خاصة بين المسلمين .
“الفلسفة الإسلامية“ بين الإبداع و الانتحال:
عند التأمل بـ “الفكر“ مفهومًا، نجد أن الإنسان لا يستطيع تحصيل مجهول دون سبقه بمعلوم، إلا إذا كان معلوماً بديهياً لا يتحصل بمعلوم يسبقه، ولولا ذلك، لوقعنا في التسلسل اللامتناهي وهو ممتنع عقلًا. هذه الدّعوى بعينها تسري في الحركة الفلسفية تاريخيًا، فها هي الفلسفة الإسلامية تستلهم بذور الإبداع من الفلسفات السابقة كاليونانية والفارسية، وعلى الرغم من وجود مسائل بقيت كما هي مضمونًا، مثل: مباحث المقولات والحكمة العملية وأقسام العلل، إلا أن بصمة التغيير لازالت ظاهرة، فعدد المقولات مثلًا، طرأ عليه التغيير كما حدث مع السهروردي والساوي ومسكويه، وهناك مباحث بقيت على عنوانها كما كانت سابقاً، إلا أن المضمون أصبح مكملًا لسابقها، كما في إعادة صياغة براهين التسلسل الممتنع تحت عنوان “الأسدّ والاخصر“ للفارابي، أو “أسدّ البراهين“ لإبن سينا، أو إعادة تصوير مسألة “المُثُل الإلهية“ وفق صياغة السهروردي أو الميرداماد، أو صدر المتألهين وغيرها، كـتجرد النفس واتحاد العاقل والمعقول وقاعدة الواحد. ويتجلى الدور الإبداعي للفلسفة الإسلامية عند تصفح كتب فلاسفتها بمجرد معاينة العناوين، فمسائل مثل: أصالة الوجود، الحركة الجوهرية، الوجود الذهني، أقسام الحدوث، براهين إثبات الواجب كالصدّيقين، والإمكان الفقري… إلخ، كلها شواهد تدل على أن الفلسفة الإسلامية لم تكن في مقام الاقتباس المحض، بل أحدثت من المسائل ما يفوق التي استفادت منها في الفلسفة اليونانية على نحو الضعف بل لا نبالغ إذا قلنا ضعيفة.
الإلتقاء بين “الفلسفة“ و “الإسلام“:
في الحديث عن إمكانية الالتقاء، نجد عند التأمل بذواتنا، أن تأثر العقل ببعض الأفكار يكون تحت ظرفي الزمان و المكان، وقيّدناها بـ [ البعض ] باعتبار وجود معلومات كائنة دون تأثير الزمان والمكان عليها من قبيل البديهيات مثلًا، و هذا التأثر ليس بشاذٍ عن الحقيقة البشرية، فـالبشر و إن كانت لهم جنبة مجرّدة عن أحكام عالم المادة، إلا أن هذه الجنبة تترقى إلى أطوار من الفعلية بتأثير من الجنبة المادية، باعتبار وجودها في نشأة المادة، فإذا أردنا معرفة إمكان الالتقاء بين المحورين “الفلسفي“ و”الديني“ في مضمار الفكر، فهذا أمر لا مناص منه أثناء وجود ايّ مفكر وسط بيئة تسودها ديانة ما. إلا أن المسألة تصبح أكثر تثبّتًا عند الالتفات إلى كون هؤلاء الحكماء يعتنقون الديانة الإسلامية، بيْد أننا لا ندّعي أن إسلامية فلسفتهم نابعة من الإتفاق من جهة مصدر وطريقة الإلزام، فمصدر الدين هو الوحي، أما الفلسفة: العقل، وطريق الإلزام في الأولى: اتباع النص تعبدًا، وفي الثانية بالتصديق بناءً على البرهان.
لعلنا نستطيع تلمّس موارد إسلامية فلسفتهم من عدة جهات: مثل تسيير مسائلهم الحكمية في جهة دون أخرى، إذ نجد عناية حكماء الإسلام بمبحث “وجود الواجب وصفاته وأفعاله،“ وهذا ما لا نجده في نصوص اليونانيين إلا على نحو الندرة، وكذلك من جهة طرح الأسئلة الجديدة مثل مباحث المعاد وما يسبقه من مباحث النّفس كـروحانيتها أو ماديتها في الحدوث أو البقاء، واستلهامهم من الشريعة بعض البراهين كما في “الصّديقين” من قوله تعالى: [ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ ]، بل لا يكتفِ حضور الشرع من جهة التأسيس، بل يتصدى دور المُوجّه في بعض النتائج النهائية كالقول بجسمانية المعاد لا روحانيته، كما فعل الشيخ الرئيس في “الإلهيات” من الشفاء، عندما أحال القول بجسمانية المعاد إلى الشرع المقدس وطرح الجسم السماوي في “الرسالة الأضحوية“ و “المباحثات” بكونه طريق غامض لتوجيه عقيدة جسمانية المعاد بما يقبله العقل والنقل .
“الفلسفة الإسلامية“ بوصفها مادة خام:
كما أن الفِكر يتكامل بأفكار سابقة في الكشف عن بعض حيثياتها اللازمة عنها، كذلك الفكر الفلسفي سوف يتكامل إذا استلهمنا منه بعض الجوانب لمعالجة المشكلات الفكرية المعاصرة، ومن أحكم الفلسفات برهانًا كما ندّعي هي “الفلسفة الإسلامية،“ ومستوى الإثبات يرجع للمحقق في مسائلها. ومن المشكلات المعاصره التي نعيب على المتصدين لها: إهمالهم للفلسفة الإسلامية عند معالجة الأفكار المتعلقة في “نظرية المعرفة“ مثلًا، فـما الضّير من تعميق مباحث “الوجود الذهني“ التي طرحت في الفلسفة الإسلامية مقابل المباحث التي طرحت من طرف المدارس الوضعية والمثالية والديالكتيكية في “قيمة المعرفة أو حقيقة الإدراك؟“ ما الضير في أن نستفيد من مباحث “الضرورة والإمكان“ في معالجة بعض القضايا الفيزيائية… إلخ؟
في الختام، إن دعوانا ليست إحياء الفلسفة الإسلامية من أجل إخراج البحث الفلسفي من ظرف الفضاء العقلي الواسع إلى الفضاء الضيق والمقدّس، بل دعوانا هي استلهام بعض الجوانب القوية في الفلسفة الإسلامية التي واجهت تغافلاً ملفتاً للنظر.