راية استسلام أم لملمة شتات؟
” لو كان الانتحار حلالاً لكنت أول المنتحرين” جملة ترددت بأذهان الكثيرين بمختلف أزمانهم، ولكن لنتخيل أننا استيقظنا ذات يوم ووجدنا أن كل الأسباب والجوانب الأخلاقية والدينية التي تردعنا عن الاقبال على إنهاء حياتنا قد اختفت، وأصبح الإنتحار لأي سبب كان…. حلالاً، وأصبح الموت العمد قرار طبيعي يتخذه الانسان بإرادته وحريته الكاملة. هل سنرى المشانق بالطرق أو القبور لا تتوقف عن استقبال الزوار الدائمين، أم سنرى الحياة تمضي بوتيرتها الطبيعية؟
الإنتحار بأساسه سلوك بشري غير مفهوم، دوافعه كثيرة، ولكي تتخذ قرار مريب كقتل نفسك عمداً، بأي طريقة كانت، فأنت غالباً تمر بحالة يأس أو اكتئاب أو حتى ملل، ولكن قبل المضي قدماً بتلك الخطوة ستستوقفك الأديان التي تحرمه والناس الناهون عنه. وحتى آراء الفلاسفة المتضاربة حوله ما بين مؤيد للحرية ومعارض لدوافع عابرة، قد تؤثر فيك، فتعود خطوة إلى الوراء، وسيدفعك التردد للاستمرار.
ويختلف البشر في نظرتهم: فنرى أن الفئة الأولى من الناس كانوا ليتمنوا ويؤيدوا فكرة ” لو كان الانتحار حلالاً لكانت الدنيا خالية وأنا أول التاركين لها” معللين بأنهم كارهي الحياة، وأن صعوباتها قد استنزفت من طاقتهم، كرحيل الأحبة الذي أنهك قلوبهم، وأن أخلاق الناس في انحدار، فانعدمت الإنسانية والمساواة وانتشر الظلم والنفاق، فليس بالحياة ما يستحق أن يعاش، وأن الموت أفضل بكثير من حياة متعبة، فهو مفتاح الراحة والخلاص الأبدي.
فيعارضهم المتمسكين بالحياة، مدركين قيمتها و قيمة كل ثانية تمر بها، فلماذا يفقد الانسان حياته لمجرد موقف عابر أو ضغط سيمُر ويُنسى عاجلاً أو آجلاً؟ فخسارة الدنيا لا تعني خسارة مصاعبها فقط بل وملذاتها أيضاً، فمهما بلغ الأسى والظلم فيها، أفلا تستحق ولو فرصة للمقاومة والكفاح؟ فمجرد ابتسامة من غريب يمكن أن تنسيك مشقات يومك. كما أن الانكسار والانسحاب ليس الحل، بل بالتمسك بالحياة، ومحاربة الفقر والظلم، وتقبل سكرة الموت الطبيعية. من يُقبِل على الانتحار ما هو إلا جبان وكسول، اعتراه الخوف لمواجهة الحياة. وما العبرة من الحياة بدون مشاكل؟ لو كانت الحياة مجرد لعب ومرح وسعادة هل سترضينا؟ ما طعم الفرح بدون حزن وتعب؟ الانتحار ليس الملجأ الوحيد، فمهما بلغت المصيبة، ومهما طالت، فهي مؤقتة. فما أجمل انتظار ما يخبئه الغد من مفاجآت، الجميل منها والمر.